الخميس، 7 نوفمبر 2024

غزة كشفت كل شيء.

لم نعد نحتاج كثيرًا من التحليل أو التفسير. يكفي أن تنظر إلى من يقف مع الضحية، ومن يبرر للجلاد، حتى تعرف من هو الصادق، ومن يختبئ خلف الشعارات. 
ما عادت المشكلة فقط في العدو الصهيوني، بل في تلك الأصوات التي تلبس لبوس الدين أو الوطنية، ثم تبرر القتل، أو تصمت عنه، أو تساوي بين المعتدي والمعتدى عليه. هؤلاء أخطر من العدو نفسه، لأنهم يزرعون الشك في القلوب، ويشوّهون البوصلة الأخلاقية. 
غزة، رغم الجراح، كانت ولا تزال الكاشفة. من وقف معها بصدق، فقد ثبت على مبدأ الإنسانية والكرامة، ومن خذلها أو خان، فقد اختار أن يكون في صف الباطل، مهما تزيّن بالكلام الجميل. 
الحرية لا تحتاج كثير تنظير، والظلم لا يحتاج تفسير. المواقف الآن واضحة، والضمائر هي الحكم.

الأحد، 14 يناير 2024

دروس الأمل والتحديات في مسار التغيير السياسي في تونس

 في أواخر عام 2010، كانت تونس نقطة انطلاق لربيع عربي لم يتوقع أحد أن ينتشر بهذه السرعة في أنحاء المنطقة. لم تكن الثورة التونسية مجرد احتجاج على الوضع الاقتصادي المتردي، بل كانت تعبيرًا عن تراكمات سنوات طويلة من القهر السياسي والاجتماعي. محمد البوعزيزي، الشاب التونسي الذي أضرم النار في جسده احتجاجًا على الظلم، أصبح رمزًا لموجة من الغضب الشعبي الذي اجتاح البلاد، ومن ثم امتد إلى كافة أنحاء العالم العربي.

ما يميز هذه الثورة ليس فقط سرعة انتشارها أو آثارها الفورية، ولكن أيضًا الرسائل العميقة التي حملتها، والتي استمرت تأثيراتها لسنوات بعد ذلك. فقد نجحت تونس في كسر حاجز الخوف الذي طالما عاشت تحته الشعوب العربية، وأظهرت للعالم أن إرادة الشعب أقوى من الأنظمة المستبدة. ما تحقق في تونس كان بمثابة نموذج حي لانتصار الشارع على الديكتاتورية، وجعل من هذه الثورة لحظة فارقة في الوعي العربي.

رحيل الرئيس زين العابدين بن علي في 14 يناير 2011 لم يكن مجرد نهاية لنظام مستبد، بل كان بداية مرحلة جديدة من التفكير في العلاقة بين الشعوب والحكام في العالم العربي. الثورة التونسية كشفت التناقضات العميقة في السياسة الغربية التي طالما دافعت عن حقوق الإنسان في العلن، بينما دعمت الأنظمة الاستبدادية التي كانت تخدم مصالحها الخاصة.

لكن على الرغم من الإنجازات التاريخية التي حققتها تونس، فإن الطريق لم يكن مفروشًا بالورود. فقد واجهت الثورة العديد من الانتكاسات، سواء من حيث الأوضاع الاقتصادية التي تدهورت، أو التحديات السياسية التي عكست انقسامات داخلية حادة. ورغم ذلك، فإن الثورة التونسية قدمت درسًا كبيرًا: فالشعب أصبح أكثر وعيًا بحقوقه، ولم يعد في إمكانه العودة إلى ما قبل 2011.

لقد أثبتت هذه التجربة أن التغيير السياسي لا يعني بالضرورة تحسنًا مباشرًا في الظروف المعيشية، وأن النخب السياسية التي لا تواكب تطلعات الشعب قد تصبح عبئًا على الثورة بدلاً من أن تكون محركًا لها. الثورة التونسية أعادت طرح أسئلة كبيرة حول معنى المواطنة، ودور الدولة في حياة الناس، والشرعية التي يمكن أن تحظى بها السلطة.

وبينما كانت تونس تدفع ثمنًا باهظًا في سنوات ما بعد الثورة، من أزمات اقتصادية وانقسامات سياسية، فإن هذا لا يقلل من القيمة الرمزية التي تحملها هذه الثورة. فالشعوب العربية أدركت أن لديها القدرة على تغيير الأنظمة مهما كانت قوتها الظاهرة. الثورة التونسية أعادت تعريف الممكن في الوجدان العربي، وأثبتت أن الظلم لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، وأن نهايته قادمة مهما طال الزمن.

رغم كل التحديات، تبقى تونس تمثل حالة فريدة في العالم العربي، حيث يمكنها أن تقدم بديلاً ديمقراطيًا حقيقيًا، رغم العثرات التي شهدتها. وبالرغم من كل ما تحقق، يبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن الشعوب العربية من بناء بدائل ديمقراطية مستدامة، أم أن القوى المضادة ستستعيد زمام الأمور وتنقلب الأمور إلى ما كانت عليه في الماضي؟ هذا السؤال يبقى مفتوحًا، والتاريخ وحده هو الذي سيجيب عليه.

السبت، 10 يونيو 2023

من الطهطاوي إلى محمد عبده: كيف بدأ التنوير في العالم العربي؟

 لم يكن مصطلح التنوير مألوفًا في الثقافة العربية حتى نهايات القرن التاسع عشر، رغم أن جذور هذا المفهوم قد بدأت تتغلغل في الوعي العربي مع الصدمة الحضارية التي أحدثتها الحملة الفرنسية على مصر عام 1798. فبينما حمل نابليون أسلحة لم يألفها المصريون، رافقه أيضًا مئات العلماء الذين أسسوا المجمع العلمي المصري على غرار النموذج الفرنسي، ما فتح أعين المصريين، خاصة علماء الأزهر، على مدى الفجوة المعرفية والعلمية بينهم وبين الغرب.

في هذا السياق، بدأ مفكرون مستنيرون كرفاعة الطهطاوي بدراسة التجربة الغربية والتمعن في أصولها الفكرية، لا سيما ما تعلق منها بالحريات، والتعليم، والمواطنة، والقانون، والمساواة. وقد مثّلت كتاباته بداية حقيقية لحركة إصلاحية عقلانية انبثقت من صلب الثقافة الإسلامية دون أن تتنكر لها. وتبعه مفكرون عرب من مختلف الأقطار، انكبّوا على البحث في وسائل النهضة العربية، سواء من خلال الليبرالية السياسية أو بالاعتماد على الدين كأساس للتنوير، كما رأينا مع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده.

كان الشيخ محمد عبده (1849–1905) من أبرز رموز هذه النهضة الإصلاحية الإسلامية، وقد اتخذ من العقل أساسًا لفهم الدين وتطبيق الشريعة. خاض معارك فكرية ضد الجمود والتقليد الأعمى، ورفض أن يُقدَّم النص الديني على العقل في حالة التعارض، مشددًا على أن مقاصد الشريعة لا تتحقق إلا بإعمال الفكر والوجدان الصادق. لقد دعا إلى التمييز بين واجب طاعة الحاكم وحق الأمة في العدالة، مؤكدًا على أن الحاكم بشر يخطئ، ولا يُردعه إلا وعي الأمة.

واجه محمد عبده مقاومة شرسة من رفاقه في الأزهر، واتُّهم بالمروق لمجرد دعوته إلى تدريس الجغرافيا أو مقدمة ابن خلدون، أو حتى لتأييده تعلم العلوم الطبيعية دون قيود. وأمام سطوة الفقهاء التقليديين الذين أغلقوا باب الاجتهاد، لم يتوان عن مواجهتهم، بل واعتبر أن من واجب العلماء استخدام العقل في فهم الدين بدل الاغتراف الأعمى من التراث.

هذه الدعوات لم تكن معزولة عن السياق العالمي، فقد ساهمت الحملة الفرنسية في زعزعة المفاهيم السائدة حول الدين والسياسة والتعليم، وأثارت تساؤلات لدى المثقفين العرب حول أسباب تقدم الغرب وتخلف الشرق. ومع عودة البعثات التعليمية من أوروبا، بدأت ملامح الإصلاح تتضح أكثر، خصوصًا مع مشاريع محمد علي باشا، الذي أرسل رفاعة الطهطاوي إلى فرنسا ليكون دليلًا ثقافيًا للمبتعثين، فتحوّل إلى رائد حقيقي للوعي الحديث.

وبينما كان الطهطاوي يمجّد حرية الفكر، فإن محمد عبده حمل مشعل التحديث الديني من داخل المؤسسة الدينية نفسها، وسعى لتحريرها من سلطة الخرافة والخوف والجمود. لقد دعا إلى إعادة النظر في علاقة العقل بالقلب، رافضًا الفصل المصطنع بين الوجدان والفكر، مؤكدا أن ما يُدرك بالحس الباطني (الوجدان) لا يتعارض مع البرهان العقلي بل يُكمله.

وهكذا، وجد التنوير العربي طريقه إلى الوعي الجمعي، ليس كحركة منبتّة عن الدين، بل كامتداد له، مستنيرًا بالعقل، ومستندًا إلى مقاصد الشريعة، وساعيًا إلى بناء وطن يحترم حقوق مواطنيه. من الطهطاوي إلى عبده، ومن الأفغاني إلى شبل شميل، شكّلت هذه الأسماء تيارًا فكريًا متجددًا حمل راية التحديث، ورفض أن يكون الدين عائقًا أمام التقدم، بل أساسًا له.

واليوم، نحن أحوج ما نكون إلى استلهام هذه الروح الإصلاحية، وإلى إعادة الاعتبار للعقل والعلم كمرجعية في مواجهة الجمود، لكي نصوغ مستقبلًا عربيًا جديدًا أكثر عدالة ووعيًا، يحقق مصلحة الإنسان ويصون كرامته.

الأربعاء، 1 فبراير 2023

محمد عبده: صوت العقل في زمن الجمود

 ظل الإمام محمد عبده (1849–1905) رمزًا بارزًا في مسار التنوير والإصلاح الديني في العالم الإسلامي الحديث، إذ مثّل مشروعه الفكري محطة أساسية في محاولة استعادة دور العقل في تفسير النصوص الدينية، وتحرير الفكر الإسلامي من الجمود الذي استمر لقرون. لقد رأى أن العقل لا يتعارض مع الوحي، بل هو أداته لفهم مقاصد الشريعة وتحقيق نهضة الأمة، فانبرى للدفاع عن هذا المبدأ في وجه خصومه من أنصار التقليد، ممن كانوا يرون أن أي اجتهاد خارج الإطار الموروث يُعد تجاوزًا على الدين.

كان محمد عبده يؤمن إيمانًا راسخًا بأن الإصلاح لا يمكن أن يتحقق دون تحرير الفكر من هيمنة النقل الأعمى، ومن هذا المنطلق دعا إلى تقديم العقل عند التعارض الظاهري بينه وبين النص، ما اعتبره البعض خروجًا على المألوف، فأثار بذلك حفيظة المؤسسة الدينية التقليدية، لا سيما داخل الأزهر، حيث اتُّهم من قبل بعض شيوخه بالكفر والزندقة. لم تقتصر معاركه الفكرية على القضايا العقائدية، بل امتدت إلى مسائل مجتمعية عملية، مثل الدعوة إلى توثيق الطلاق لحماية حقوق المرأة، وضرورة تعليم العلوم الحديثة في المعاهد الدينية، وإدخال مؤلفات رائدة مثل "مقدمة ابن خلدون" في مناهج الدراسة.

واجه الإمام هجومًا عنيفًا من رجال دين نافذين، كان أبرزهم الشيخ عليش الذي لم يتردد في اتهامه وتكفير أستاذه جمال الدين الأفغاني، بل دعا علنًا إلى قتلهما، في تجلٍّ لحالة من التصلب الفكري التي كانت ترفض كل محاولة للتجديد. رغم ذلك، واصل محمد عبده مشروعه بثبات، معتمدًا على رؤية إصلاحية شاملة تجمع بين التمسك بجوهر الدين والانفتاح على مناهج المعرفة الحديثة. خلال فترة توليه منصب مفتي الديار المصرية، سعى إلى تقنين الوقف، ورفض محاولات ضم أراضيه إلى سلطة الخديوي، وهو ما أثار غضب البلاط ودفعه إلى تحريض خصومه ضده، حتى في مماته.

عندما توفي محمد عبده عام 1905، خرجت جنازته في موكب شعبي مهيب أغضب السلطات الحاكمة، حتى أن الخديوي عباس حلمي الثاني استنكر ذلك الغضب بالقول: "جنازة حارة والميت كلب!"، ما يعكس عمق الخصومة بين السلطة السياسية ورجل الدين الإصلاحي الذي لم يساوم على مبادئه. لقد مثّل محمد عبده امتدادًا لحركة تنوير بدأت ملامحها مع رفاعة الطهطاوي، الذي اكتشف مظاهر التقدم الأوروبي خلال بعثته إلى باريس، ودعا إلى تعليم المرأة وفتح المجال أمام الدستور، ثم تبلورت هذه الحركة مع الأفغاني، الذي نظر إلى الإصلاح من زاوية الثورة الدينية، في حين اختار عبده مسارًا أكثر تدرجًا وواقعية، يركز على التعليم والتكوين الفكري.

إن تجربة محمد عبده التنويرية لا يمكن فصلها عن سياقها التاريخي، إذ جاءت ردًا على حالة من الانبهار والانكفاء في آن واحد، في ظل صدمة التفاوت الحضاري مع الغرب، ما دفعه إلى التساؤل حول الأسباب التي جعلت المسلمين يتخلفون، فيما تقدم غيرهم. وقد حاول أن يجيب على هذا السؤال من خلال مشروع يعيد للعقل دوره، وللدين روحه، ويُخرج الأمة من أسر الجمود إلى أفق الاجتهاد. ورغم مرور أكثر من قرن على رحيله، لا تزال أفكاره تُستدعى كلما تجدد النقاش حول علاقة الإسلام بالعقل، وحدود التجديد، وضرورات النهضة.

لقد كان محمد عبده مفكرًا إصلاحيًا متوازنًا، جمع بين الأصالة والمعاصرة، وترك أثرًا لا يُمحى في مسار الفكر الإسلامي الحديث، ومنحنا نموذجًا لرجل الدين الذي لا يخشى مواجهة السلطة، ولا يخضع لسطوة الجمهور، ولا يتردد في مساءلة الموروث إذا ما تعارض مع مقتضيات العقل والعدل.

الأربعاء، 13 يوليو 2022

العمارة كفعل إنساني: عندما يصبح العادي مجالاً للإبداع

العمارة ليست مجرد ممارسة تقنية تُعنى بتشييد المباني وتوزيع الفضاءات، بل هي فعلٌ ثقافي وإنساني في جوهره، يتجاوز الوظيفة نحو الإبداع والتأثير. فالمعماري، بخبرته وحسّه الجمالي، يُضفي على الواقع بعداً جديداً، يُحوّل ما هو عادي ومألوف إلى تجربة معمارية استثنائية تحمل المعنى، وتوقظ الإحساس، وتثري الحياة اليومية.
في عالم يُثقل كاهله التكرار والتشابه العمراني، تأتي العمارة كقوة مبدعة قادرة على إعادة صياغة المشهد، وإحياء روح المكان، وتحقيق توازن بين الإنسان والمحيط. المعماري، بهذا المعنى، لا يكتفي بتقديم حلول بنائية، بل يُعيد طرح الأسئلة حول كيف نعيش، وكيف نتحرّك، وكيف نتفاعل مع الفراغ والضوء والطبيعة.
تحويل العادي إلى استثنائي هو فعل يتطلب وعياً عميقاً بالسياق الثقافي والاجتماعي، وإدراكاً حقيقياً لحاجات الناس وتطلعاتهم، وقدرة على توظيف المواد والضوء والشكل بطريقة تخلق الدهشة وتولّد الانتماء. إنه دعوة للارتقاء بالحياة اليومية، لتكون المباني ليست فقط أماكن للسكن أو العمل، بل مساحات للحوار، والراحة، والجمال.
وهذا ما جسّده كبار المعماريين عبر التاريخ. فعندما صمّم حسن فتحي بيوتاً للفلاحين في صعيد مصر، لم يقدّم حلولاً معمارية فقط، بل أبدع نموذجاً إنسانياً يربط العمارة بالهوية والبيئة. وعندما بنى تاداو أندو كنيسة الضوء في اليابان، لم تكن مجرّد جدران وأسقف، بل فضاءً روحياً يجعل الضوء ذاته مادة معمارية تعبّر عن السكون والعظمة.
إن العمارة التي تلامس الإنسان وتُحاكي وجدانه، لا تكون عظيمة بحجمها أو كلفتها، بل بقدرتها على إثارة الإحساس، وتحقيق الانسجام، والتعبير عن روح المكان والزمان. ومن هنا، فإن المعماري الحقيقي هو الذي يرى في كل مشروع فرصة لتحويل المفهوم البسيط إلى تجربة لا تُنسى، ويجعل من كل زاوية، وكل مادة، وكل تفصيل، قصة تُروى بلغة الجمال والمعنى.

الاثنين، 1 نوفمبر 2021

نهضة الكلمة في زمن القمع: بدايات الوعي الوطني في الجزائر

 في أواخر القرن التاسع عشر، بدأت الجزائر تشهد تحولات عميقة في بنية المجتمع والفكر، بعد عقود من الاحتلال الفرنسي الذي سعى بكل الوسائل إلى طمس الهوية الوطنية، وتجريد الشعب من ثقافته ودينه ولغته. وبينما كانت المقاومات الشعبية المسلحة تتعرض للإخفاق، بدأت نواة جديدة من المقاومة تنمو في صمت، تعتمد على الكلمة والفكر بدلاً من السلاح، وتراهن على التعليم والصحافة والعمل الثقافي كأسس لصياغة وعي جماعي جديد. لقد مثّلت هذه الفترة  مرحلة مفصلية، تمهد لما سيصبح لاحقاً مشروعاً وطنياً لتحرير الأرض والإنسان.

بدأت آنذاك تتشكل في الجزائر ملامح نهضة فكرية وثقافية جديدة، برزت كردّ فعل على الهزائم المتتالية للمقاومة المسلحة وتفاقم السياسات الاستعمارية الفرنسية الساعية إلى طمس الهوية الوطنية. بعد أن خمدت نار الثورات الشعبية، خاصة إثر فشل ثورة 1871، أدركت النخبة الجزائرية أن النضال المسلح لم يعد وحده كافياً، وأن مواجهة الاستعمار تتطلب سلاحاً من نوع آخر: الكلمة، والفكر، والتربية.

في هذا السياق، ظهرت شخصيات إصلاحية بارزة، استلهمت فكرها من حركات النهضة في المشرق العربي، لا سيما تيار الإصلاح الإسلامي الذي قاده كل من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. لقد شكّل هذا التيار مرجعاً فكرياً للنخبة الجزائرية التي رأت في الدين وسيلة للتحصين ضد الذوبان الثقافي، وفي التعليم وسيلة للتحرر من الجهل والتبعية.

تزامنت هذه التحولات الداخلية مع تغير نسبي في مواقف الإدارة الاستعمارية. فقد حاول بعض الحكام الفرنسيين، مثل جول كامبون وشارل جونار، امتصاص الغضب الشعبي من خلال إصلاحات إدارية وتعليمية محدودة، لم تكن بالطبع كافية لتحقيق العدالة، لكنها أوجدت هامشاً ضيقاً استطاعت من خلاله النخبة أن تتحرك، وأن تؤسس لمبادرات فكرية وثقافية أكثر تنظيماً.

في خضم هذا الحراك، برزت الصحافة كأداة نضالية فعالة، بعد أن كانت حكراً على السلطة الاستعمارية. بدأت تظهر صحف جزائرية ناطقة بالعربية والفرنسية، ناقشت قضايا التعليم، والهوية، والواقع الاجتماعي، ووجهت نقداً لسياسات الإدماج والتهميش. مثلت هذه الصحف منابر للتعبير الحر، ومتنفساً لآراء النخبة، وأداة لخلق وعي جماهيري جديد. وفي هذا الجو، تأسست أيضاً جمعيات ثقافية ونوادٍ فكرية، كانت بمثابة مدارس غير رسمية لنشر القيم الحديثة وتعزيز روح الانتماء. استفادت هذه الجمعيات من قانون 1901 الفرنسي، الذي سمح بإنشاء جمعيات مدنية في المستعمرات، فظهرت مبادرات لعبت دوراً في التثقيف والتكوين الذاتي، كما وفّرت فضاءات للنقاش الهادئ حول قضايا الإصلاح والهوية والتغيير. ومن خلال هذه الأطر، بدأت تتشكل ملامح مشروع وطني متكامل، لا يقوم فقط على رفض الاستعمار، بل أيضاً على بناء مجتمع متعلّم ومستنير، قادر على تصور مستقبل بديل.

لقد أعاد هذا التحول الثقافي رسم العلاقة بين الجزائري والواقع الاستعماري، وفتح الباب أمام نشوء وعي سياسي جماعي سيؤسس لاحقاً للحركات الوطنية المنظمة. لم يكن الأمر مجرد انفتاح فكري، بل كان مقاومة حقيقية، سلاحها العقل، وميادينها الصحافة والجمعيات والتعليم. ومن هنا، يمكن القول إن تلك الفترة لم تكن مرحلة خضوع مطلق، بل كانت مخاضاً لنهضة ثقافية صامتة لكنها عميقة، شكلت أساساً للهوية الجزائرية الحديثة، ووضعت اللبنة الأولى في مسار طويل نحو التحرر.

إن العودة إلى هذه المرحلة من تاريخ الجزائر ليست مجرد استذكار للماضي، بل هي محاولة لفهم الجذور العميقة للوعي الوطني، وكيف وُلد في أحلك ظروف القمع والطمس الثقافي. ففي تلك اللحظة التاريخية، أدرك الجزائريون أن المقاومة لا تكون فقط بالبندقية، بل أيضاً بالقلم، وبالمدرسة، وبالوعي الجمعي الذي لا يستطيع أي استعمار أن يقمعه إلى الأبد.

الخميس، 4 فبراير 2021

متى نثق بعقولنا؟

في بلادنا، يمر العالِم الحقيقي أمام الناس فلا يُعرف، ينشر أبحاثًا فلا تُقرأ، ويقترح حلولًا فلا يُسمع له صوت. يشتغل بصمت، بإمكانيات محدودة، داخل المختبرات والجامعات، وسط بيروقراطية خانقة، وتجاهل إعلامي لا يليق بما يقدمه من جهد وفكر. ومع ذلك، يواصل هؤلاء العلماء عملهم في ظروف بالغة الصعوبة، لا رغبة في الشهرة، بل إيمانًا بأن للمعرفة دورًا في بناء أوطانهم.

لكن المفارقة المؤلمة تظهر حين يتلقّى أحد هؤلاء العلماء دعوة من قناة فرنسية، أو يُذكر اسمه في موقع أمريكي، أو يُستشهد بأبحاثه في مؤتمر أوروبي. فجأة، يتغير الخطاب: "إنه عبقري منّا وفينا!"، وكأن عبقريته لم تكن مرئية إلا بعد أن حصلت على الختم الأجنبي. وهنا نطرح السؤال المؤلم: هل يحتاج العالِم إلى جواز سفر فكري كي يُصدَّق؟ هل لا يُمنح الاعتراف إلا بإذنٍ من الخارج؟ وهل ننتظر شهادة من الآخر لنثق في عقول أبنائنا؟

هذا السلوك لا يعكس فقط خللًا في نظرتنا للعلم، بل يكشف عن أزمة أعمق، تُعرف في الأدبيات الفكرية والاجتماعية بـ"عقدة الاعتراف"، وهي الشعور بأن القيمة لا تكتمل إلا إذا تم تصديرها ثم استيرادها من جديد، بختم خارجي يضفي عليها شرعية مزعومة. هذه العقدة ناتجة عن تراكمات تاريخية وثقافية جعلتنا نربط الجودة والتفوق بما يأتي من الغرب، ونشكك في ما ننتجه بأيدينا، مهما بلغ من رصانة.

إننا لا نعاني من نقص في العلماء، بل من نقص في الثقة بهم. لدينا في الجزائر عقول نابضة في مجالات دقيقة ومتقدمة، من الذكاء الاصطناعي إلى البيوتكنولوجيا، من الطاقة المتجددة إلى علوم الصحة، لكنهم يعملون في الظل، ويُحرمون من التقدير ومن فرص التأثير في السياسات العامة. الإعلام بدوره يغيب عن دوره في تسليط الضوء على هذه النماذج، ويمنح مساحة أوسع لوجوه استعراضية لا تمثّل عمق التحولات العلمية التي يحتاجها الوطن.

حين نُقصي هؤلاء العلماء من الواجهة، لا نخسر فقط كفاءات، بل نخسر أيضًا فرصة بناء نماذج يُحتذى بها. الطفل الذي لا يرى عالمًا يتحدث بلغته، أو يظهر في قناته الوطنية، أو يُحتفى به في مدرسته، لن يحلم يومًا بأن يكون عالِمًا. وهكذا تتراكم الخسائر، لا على مستوى الأفراد فقط، بل على مستوى الثقافة العامة التي تُعلي من شأن "المستورد"، وتُهمّش المحلي.

إن إعادة الاعتبار للعلماء تبدأ من الداخل: من السياسات، من الإعلام، من المدرسة، من البيت، من ثقافتنا اليومية. لا نحتاج إلى انتظار وسام من الخارج لنقول عن أحدهم إنه عظيم. نحن بحاجة إلى أن نؤمن بأن العبقرية يمكن أن تولد بيننا، وتنمو بأيدينا، وتخدمنا نحن قبل غيرنا. ليست المشكلة في غياب الكفاءات، بل في غياب الثقة بها. وليست الأزمة في نقص العلماء، بل في غياب الضوء المسلَّط عليهم.

قد لا نملك دائمًا الإمكانيات نفسها التي تملكها الدول المتقدمة، لكن ما نملكه من عقول ومواهب قادر، لو حظي بالثقة والفرصة، أن يصنع الفرق. والأوطان لا تُبنى فقط بالإعجاب بما يُقال عنا في الخارج، بل ببناء منظومة تَعرف أبناءها وتعتزّ بهم قبل أن يعرفهم العالم.

QUALITE ARCHITECTURALE (2): QUAND LA MAITRISE D’OUVRAGE PUBLIQUE SABOTE L’ARCHITECTURE

Dans les écoles d’architecture, on apprend que l’architecte occupe une place centrale. Il est censé garantir la qualité architecturale, coor...