الخميس، 24 أبريل 2025

الوهم القاتل: هل تحمي التنازلات شعباً تحت الاحتلال؟

في خضم العقود الطويلة من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تبلورت العديد من الاستراتيجيات السياسية التي تبنّاها صانعو القرار الفلسطيني، سواء في إطار منظمة التحرير الفلسطينية أو السلطة الوطنية، بدعوى حماية الشعب الفلسطيني وتقليل حجم الخسائر. من بين هذه السياسات ما يُعرف بـ"سحب الذرائع" من إسرائيل، وهي استراتيجية تقوم على تجنّب أي سلوك قد تستخدمه إسرائيل كمبرر لشنّ عدوان أو فرض عقوبات جماعية أو إجراءات عسكرية. غير أن هذه الفرضية، التي تبدو عقلانية من حيث الشكل، قد أثبتت على مدى الزمن أنها قاصرة، بل في بعض الأحيان، مضلّلة. فالتجربة التاريخية الممتدة منذ سبعينيات القرن الماضي، مروراً باتفاق أوسلو، ووصولاً إلى ما بعد انسحاب إسرائيل من غزة عام 2005، تشير إلى أن إسرائيل لا تحتاج إلى ذرائع كي تمارس سياسات التهجير والاستيطان والعدوان.

من أبرز المحطات التي تكشف زيف هذه الاستراتيجية ما حدث بعد خروج منظمة التحرير من بيروت عام 1982. آنذاك، قيل إن خروج المقاتلين سيُفضي إلى تهدئة، وإنهاء الحصار الإسرائيلي، وخلق مناخ يسمح بحلول سياسية. لكن، كما توضح وثائق ودراسات متخصصة، استمرت آلة الحرب الإسرائيلية في لبنان لسنوات تالية، وارتُكبت مجازر مثل صبرا وشاتيلا وسط صمت دولي، وبدون أي "ذرائع" واضحة. هذا النمط تكرر في أماكن أخرى: فبعد أن أوقفت السلطة الفلسطينية الانتفاضة الثانية، وبدأت سياسة التنسيق الأمني مع إسرائيل، لم تتوقف سياسة الاستيطان، بل تسارعت. وبحسب تقارير "الشبكة الفلسطينية للسياسات"، فإن إسرائيل استغلت هذا التنسيق لإعادة ترتيب أولوياتها الأمنية، دون أن تُقدِّم أي تنازل سياسي أو تُظهر بوادر حقيقية لإنهاء الاحتلال، مما جعل السلطة تبدو كأنها تُدير شؤون الشعب تحت الاحتلال، لا أنها تقاومه.

في هذا السياق، يصبح سؤال "متى كانت مطاوعة الغازي أماناً للمغزو؟" سؤالاً أخلاقياً قبل أن يكون سياسياً. الباحث الفلسطيني ساري حنفي، في مقابلة له نُشرت في مجلة Global Dialogue عام 2024، أشار إلى أن كثيراً من سياسات "التهدئة" و"ضبط النفس" تحوّلت إلى أدوات لإدارة الاحتلال بدلاً من تفكيكه. ويرى حنفي أن أحد أخطر آثار هذه السياسات هو تقليص الوعي الجمعي الفلسطيني بالمشروع الصهيوني في بعده الكولونيالي، وتحويل الصراع إلى مجرد خلاف على شروط حياة يومية بدلاً من كونه صراعاً على الأرض والهوية والسيادة. في هذا الإطار، فإن "مطاوعة الغازي" لا تمنح الأمان، بل تمنحه شرعية ضمنية، وتُعيد تشكيل دور الضحية ليصبح مشاركاً في إخضاع نفسه.

وفي تقرير مهم صدر عن منظمة B’Tselem الإسرائيلية لحقوق الإنسان، تم وصف إسرائيل بشكل واضح بأنها تمارس نظام فصل عنصري ممنهج ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وفي الداخل أيضاً. هذا التقرير، الذي استند إلى عشرات الوقائع الموثقة، يُظهر كيف أن النظام الإسرائيلي لا يتصرف بردة فعل على "ذرائع"، بل يتحرك وفق بنية قانونية وسياسية تهدف إلى ضمان التفوق اليهودي على كامل الأرض الممتدة من النهر إلى البحر. فهل يعقل، أمام هذه الهيكلية الاستعمارية المحكمة، أن يجدي نفعاً تفادي "الذرائع" أو تقديم التنازلات؟ الواقع يقول العكس.

ما يبدو اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى هو إعادة النظر في الفرضيات التي حكمت السياسات الفلسطينية خلال العقود الثلاثة الماضية. إن البحث عن الحماية عبر إرضاء المعتدي أو محاولة "كسب تعاطفه" من خلال خفض سقف الخطاب أو الكف عن المقاومة لم يعد يُنتج إلا مزيداً من القبول الدولي بالوضع القائم، بل وبناء نموذج فلسطيني يتم تسويقه كـ"الوجه الحضاري" للاحتلال. إن تجارب غزة، والقدس، والضفة الغربية، تؤكد أن إسرائيل لا تتصرف برد فعل على ما يفعله الفلسطينيون، بل تتحرك ضمن مشروع توسّعي واضح المعالم. وبالتالي، فإن أية سياسة لا تتعامل مع هذا المشروع بوصفه استعمارياً، ولا تقاومه بوصفه كذلك، تبقى سياسة محكومة بالفشل، مهما كانت نواياها "براغماتية".

إنه من المؤسف أن تكون السياسات التي رُوِّج لها طويلاً بوصفها واقعية هي ذاتها التي ساهمت في إدامة الواقع الكارثي. ولعل أخطر ما في هذه السياسات هو أنها تُروّج وكأنها السبيل الوحيد للنجاة، في حين أنها لم تفلح حتى في تقليل عدد الشهداء، أو وقف عمليات الهدم، أو حماية القدس من التهويد. فهل آن الأوان لإعادة النظر في منطق "سحب الذرائع" و"مطاوعة الغازي"، قبل أن نصبح جميعاً أسرى لحسن النوايا السيئة؟

الثلاثاء، 22 أبريل 2025

ولا تزال غزة....... هي الكاشفة.

 في الوقت الذي يتعرض فيه أهلنا في غزة لأبشع أنواع الإبادة والعدوان، لم تعد المعركة مع الاحتلال فحسب، بل بات واضحًا أن الجبهة الداخلية مهددة بأصواتٍ خائنة تتوارى خلف ستار الدين والوطنية، وتتقن فن التبرير والخذلان.

هؤلاء ليسوا غرباء عنا، بل هم منّا… يعيشون بيننا، يتكلمون لغتنا، ويرفعون شعارات مألوفة، لكنهم حين وقعت المحنة، كانوا أول من خذل، وأول من زيّف، وأول من باع.

يتحدثون عن "الشرعية"، و"الحكمة"، و"الفتن"، بينما يسقط الأطفال والنساء تحت القصف.

يساهمون في تحريف البوصلة، وتشويه الموقف، وتسكين الوعي، بحجج مهترئة لم تعد تنطلي إلا على من أراد العمى.

إننا في لحظة فارقة، لم تعد تسمح بالرمادية، ولا تقبل التلبيس.

غزة اليوم لا تقاتل وحدها، بل تكشف الاحتلال من جهة، وتكشف خونة الداخل من جهة أخرى.
التاريخ لا ينسى، والشعوب لا تغفر.

ومن خذل غزة، فقد خذل شرف الأمة كلها.

وغزة، الجريحة، كشفت من باع صوته، وخان قضيته، وخذل أهله… وهو بيننا.

ولا تزال غزة....... هي الكاشفة.

الاثنين، 21 أبريل 2025

غزة، الجريحة، هي من علمتنا من أين يبدأ الشرف، وأين ينتهي الزيف.

في زمنٍ ضاعت فيه البوصلة، وتبدّلت فيه المواقف، جاءت غزة لتكون الكاشفة كاشفةٌ للحقائق، للوجوه، للمبادئ، وحتى للضمائر. فما عاد الأمر يحتمل لبسًا أو رمادية. إما أن تكون مع الحق، أو تكون في صف الباطل، ولو بصمتك. لقد سقطت كثير من الأقنعة، ليس فقط عن وجوه الأعداء، بل عن أولئك الذين اعتادوا التزيّن بلبوس الدين، أو التلطي خلف شعارات الحياد، والموضوعية، والبعد عن "الفتنة". سقطت تلك الادعاءات التي طالما استخدمت لتبرير الصمت، بل التواطؤ، مع الظالم، ومع المحتل، ومع المجرم. فجأة صار البعض يتحدث عن "المصلحة"، وعن "تهدئة النفوس"، وعن "موازين القوى"، وكأنهم يتناسون أن الموقف الأخلاقي لا يُقاس بميزان الربح والخسارة، بل بثبات المبدأ، وبالاصطفاف إلى جانب الإنسان، مهما كلف الأمر.غزة، رغم الجراح، لم تعد فقط مدينة محاصَرة، بل أصبحت امتحانًا مفتوحًا أمام الشعوب والأنظمة، والعلماء، والمثقفين، والمؤثرين، امتحانًا لا مجال فيه للغش ولا للتأويل.
فأين تقف؟
مع من؟
ولماذا؟
العدو معروف،
والمعتدي واضح،
أما من يبرر القتل، أو يساوي بين الجلاد والضحية، أو يختبئ وراء فتاوى مهجّنة أو تحليلات باردة، فهؤلاء أخطر من العدو نفسه. لأنهم يزرعون الشك في القلوب، ويشوشون البوصلة الأخلاقية.
غزة، رغم النزيف، أقوى من كل آلات الحرب. لأنها انتصرت في المعنى. انتصرت حين عرّت من يدّعون أنهم أصحاب مواقف، وهم في حقيقتهم تجار كلمات. انتصرت حين أعادت تعريف الكرامة، وربطتها بالفعل لا بالخطاب.
فالحرية لا تحتاج إلى تبرير، والعدالة لا تحتاج إلى تحليل، والموقف الأخلاقي لا يحتاج إلى إذن من أحد.
وغزة… لا تزال الكاشفة.

الثلاثاء، 14 يناير 2025

تونس والربيع الذي لم يُزهر بعد

 لقد كانت تونس شرارة الربيع العربي، وكانت ثورتها عنوانًا للأمل، وبوابةً لحلم عربي طال انتظاره. لكن بعد أكثر من عقد من الزمن، يبدو أن هذا "الربيع" لم يُزهر كما تمنّى الثوار الأوائل. فالديمقراطية وحدها لا تكفي إذا لم تقترن بعدالة اجتماعية واقتصادية، وإذا لم تُصن بالحريات وتُدعم بمؤسسات قوية تحميها من الارتداد.

التجربة التونسية أظهرت أن التغيير السياسي لا يعني بالضرورة تغييرًا جذريًا في الواقع المعيشي، وأن النخب السياسية، حين لا تكون في مستوى طموحات الشعب، قد تتحول إلى عبء على الثورة بدل أن تكون رافعة لها.

ورغم كل الانتكاسات، يبقى الأمل قائمًا. تونس ما زالت تملك فرصة ذهبية لتصحيح المسار، لا من خلال العودة إلى الوراء أو الاحتماء بالشعارات، بل من خلال مراجعة حقيقية لتجربة ما بعد الثورة: أسباب تعثرها، مسؤوليات النخب، دور المجتمع المدني، وضرورة بناء عقد اجتماعي جديد يستجيب لتطلعات الشباب، ويحمي المكتسبات، ويعيد الثقة في السياسة والعمل العام.

وفي السياق العربي الأوسع، أثبتت الثورات أن الشعوب لا تُستعبد إلى الأبد، وأن الاستقرار القائم على الخوف هشّ بطبيعته. لكن هذه الثورات، حتى تنجح، تحتاج إلى وعي جمعي ناضج، إلى بناء بدائل واقعية، وإلى مشروع حضاري يوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الهوية والانفتاح.

تونس لا تزال تكتب تاريخها، وصفحات الثورة لم تُغلق بعد. وبين المدّ والجزر، يبقى صوت الشعب هو الفيصل. 
x

الخميس، 7 نوفمبر 2024

غزة كشفت كل شيء.

لم نعد نحتاج كثيرًا من التحليل أو التفسير. يكفي أن تنظر إلى من يقف مع الضحية، ومن يبرر للجلاد، حتى تعرف من هو الصادق، ومن يختبئ خلف الشعارات. 
ما عادت المشكلة فقط في العدو الصهيوني، بل في تلك الأصوات التي تلبس لبوس الدين أو الوطنية، ثم تبرر القتل، أو تصمت عنه، أو تساوي بين المعتدي والمعتدى عليه. هؤلاء أخطر من العدو نفسه، لأنهم يزرعون الشك في القلوب، ويشوّهون البوصلة الأخلاقية. 
غزة، رغم الجراح، كانت ولا تزال الكاشفة. من وقف معها بصدق، فقد ثبت على مبدأ الإنسانية والكرامة، ومن خذلها أو خان، فقد اختار أن يكون في صف الباطل، مهما تزيّن بالكلام الجميل. 
الحرية لا تحتاج كثير تنظير، والظلم لا يحتاج تفسير. المواقف الآن واضحة، والضمائر هي الحكم.

الأحد، 14 يناير 2024

دروس الأمل والتحديات في مسار التغيير السياسي في تونس

 في أواخر عام 2010، كانت تونس نقطة انطلاق لربيع عربي لم يتوقع أحد أن ينتشر بهذه السرعة في أنحاء المنطقة. لم تكن الثورة التونسية مجرد احتجاج على الوضع الاقتصادي المتردي، بل كانت تعبيرًا عن تراكمات سنوات طويلة من القهر السياسي والاجتماعي. محمد البوعزيزي، الشاب التونسي الذي أضرم النار في جسده احتجاجًا على الظلم، أصبح رمزًا لموجة من الغضب الشعبي الذي اجتاح البلاد، ومن ثم امتد إلى كافة أنحاء العالم العربي.

ما يميز هذه الثورة ليس فقط سرعة انتشارها أو آثارها الفورية، ولكن أيضًا الرسائل العميقة التي حملتها، والتي استمرت تأثيراتها لسنوات بعد ذلك. فقد نجحت تونس في كسر حاجز الخوف الذي طالما عاشت تحته الشعوب العربية، وأظهرت للعالم أن إرادة الشعب أقوى من الأنظمة المستبدة. ما تحقق في تونس كان بمثابة نموذج حي لانتصار الشارع على الديكتاتورية، وجعل من هذه الثورة لحظة فارقة في الوعي العربي.

رحيل الرئيس زين العابدين بن علي في 14 يناير 2011 لم يكن مجرد نهاية لنظام مستبد، بل كان بداية مرحلة جديدة من التفكير في العلاقة بين الشعوب والحكام في العالم العربي. الثورة التونسية كشفت التناقضات العميقة في السياسة الغربية التي طالما دافعت عن حقوق الإنسان في العلن، بينما دعمت الأنظمة الاستبدادية التي كانت تخدم مصالحها الخاصة.

لكن على الرغم من الإنجازات التاريخية التي حققتها تونس، فإن الطريق لم يكن مفروشًا بالورود. فقد واجهت الثورة العديد من الانتكاسات، سواء من حيث الأوضاع الاقتصادية التي تدهورت، أو التحديات السياسية التي عكست انقسامات داخلية حادة. ورغم ذلك، فإن الثورة التونسية قدمت درسًا كبيرًا: فالشعب أصبح أكثر وعيًا بحقوقه، ولم يعد في إمكانه العودة إلى ما قبل 2011.

لقد أثبتت هذه التجربة أن التغيير السياسي لا يعني بالضرورة تحسنًا مباشرًا في الظروف المعيشية، وأن النخب السياسية التي لا تواكب تطلعات الشعب قد تصبح عبئًا على الثورة بدلاً من أن تكون محركًا لها. الثورة التونسية أعادت طرح أسئلة كبيرة حول معنى المواطنة، ودور الدولة في حياة الناس، والشرعية التي يمكن أن تحظى بها السلطة.

وبينما كانت تونس تدفع ثمنًا باهظًا في سنوات ما بعد الثورة، من أزمات اقتصادية وانقسامات سياسية، فإن هذا لا يقلل من القيمة الرمزية التي تحملها هذه الثورة. فالشعوب العربية أدركت أن لديها القدرة على تغيير الأنظمة مهما كانت قوتها الظاهرة. الثورة التونسية أعادت تعريف الممكن في الوجدان العربي، وأثبتت أن الظلم لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، وأن نهايته قادمة مهما طال الزمن.

رغم كل التحديات، تبقى تونس تمثل حالة فريدة في العالم العربي، حيث يمكنها أن تقدم بديلاً ديمقراطيًا حقيقيًا، رغم العثرات التي شهدتها. وبالرغم من كل ما تحقق، يبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن الشعوب العربية من بناء بدائل ديمقراطية مستدامة، أم أن القوى المضادة ستستعيد زمام الأمور وتنقلب الأمور إلى ما كانت عليه في الماضي؟ هذا السؤال يبقى مفتوحًا، والتاريخ وحده هو الذي سيجيب عليه.

السبت، 10 يونيو 2023

من الطهطاوي إلى محمد عبده: كيف بدأ التنوير في العالم العربي؟

 لم يكن مصطلح التنوير مألوفًا في الثقافة العربية حتى نهايات القرن التاسع عشر، رغم أن جذور هذا المفهوم قد بدأت تتغلغل في الوعي العربي مع الصدمة الحضارية التي أحدثتها الحملة الفرنسية على مصر عام 1798. فبينما حمل نابليون أسلحة لم يألفها المصريون، رافقه أيضًا مئات العلماء الذين أسسوا المجمع العلمي المصري على غرار النموذج الفرنسي، ما فتح أعين المصريين، خاصة علماء الأزهر، على مدى الفجوة المعرفية والعلمية بينهم وبين الغرب.

في هذا السياق، بدأ مفكرون مستنيرون كرفاعة الطهطاوي بدراسة التجربة الغربية والتمعن في أصولها الفكرية، لا سيما ما تعلق منها بالحريات، والتعليم، والمواطنة، والقانون، والمساواة. وقد مثّلت كتاباته بداية حقيقية لحركة إصلاحية عقلانية انبثقت من صلب الثقافة الإسلامية دون أن تتنكر لها. وتبعه مفكرون عرب من مختلف الأقطار، انكبّوا على البحث في وسائل النهضة العربية، سواء من خلال الليبرالية السياسية أو بالاعتماد على الدين كأساس للتنوير، كما رأينا مع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده.

كان الشيخ محمد عبده (1849–1905) من أبرز رموز هذه النهضة الإصلاحية الإسلامية، وقد اتخذ من العقل أساسًا لفهم الدين وتطبيق الشريعة. خاض معارك فكرية ضد الجمود والتقليد الأعمى، ورفض أن يُقدَّم النص الديني على العقل في حالة التعارض، مشددًا على أن مقاصد الشريعة لا تتحقق إلا بإعمال الفكر والوجدان الصادق. لقد دعا إلى التمييز بين واجب طاعة الحاكم وحق الأمة في العدالة، مؤكدًا على أن الحاكم بشر يخطئ، ولا يُردعه إلا وعي الأمة.

واجه محمد عبده مقاومة شرسة من رفاقه في الأزهر، واتُّهم بالمروق لمجرد دعوته إلى تدريس الجغرافيا أو مقدمة ابن خلدون، أو حتى لتأييده تعلم العلوم الطبيعية دون قيود. وأمام سطوة الفقهاء التقليديين الذين أغلقوا باب الاجتهاد، لم يتوان عن مواجهتهم، بل واعتبر أن من واجب العلماء استخدام العقل في فهم الدين بدل الاغتراف الأعمى من التراث.

هذه الدعوات لم تكن معزولة عن السياق العالمي، فقد ساهمت الحملة الفرنسية في زعزعة المفاهيم السائدة حول الدين والسياسة والتعليم، وأثارت تساؤلات لدى المثقفين العرب حول أسباب تقدم الغرب وتخلف الشرق. ومع عودة البعثات التعليمية من أوروبا، بدأت ملامح الإصلاح تتضح أكثر، خصوصًا مع مشاريع محمد علي باشا، الذي أرسل رفاعة الطهطاوي إلى فرنسا ليكون دليلًا ثقافيًا للمبتعثين، فتحوّل إلى رائد حقيقي للوعي الحديث.

وبينما كان الطهطاوي يمجّد حرية الفكر، فإن محمد عبده حمل مشعل التحديث الديني من داخل المؤسسة الدينية نفسها، وسعى لتحريرها من سلطة الخرافة والخوف والجمود. لقد دعا إلى إعادة النظر في علاقة العقل بالقلب، رافضًا الفصل المصطنع بين الوجدان والفكر، مؤكدا أن ما يُدرك بالحس الباطني (الوجدان) لا يتعارض مع البرهان العقلي بل يُكمله.

وهكذا، وجد التنوير العربي طريقه إلى الوعي الجمعي، ليس كحركة منبتّة عن الدين، بل كامتداد له، مستنيرًا بالعقل، ومستندًا إلى مقاصد الشريعة، وساعيًا إلى بناء وطن يحترم حقوق مواطنيه. من الطهطاوي إلى عبده، ومن الأفغاني إلى شبل شميل، شكّلت هذه الأسماء تيارًا فكريًا متجددًا حمل راية التحديث، ورفض أن يكون الدين عائقًا أمام التقدم، بل أساسًا له.

واليوم، نحن أحوج ما نكون إلى استلهام هذه الروح الإصلاحية، وإلى إعادة الاعتبار للعقل والعلم كمرجعية في مواجهة الجمود، لكي نصوغ مستقبلًا عربيًا جديدًا أكثر عدالة ووعيًا، يحقق مصلحة الإنسان ويصون كرامته.

QUALITE ARCHITECTURALE (2): QUAND LA MAITRISE D’OUVRAGE PUBLIQUE SABOTE L’ARCHITECTURE

Dans les écoles d’architecture, on apprend que l’architecte occupe une place centrale. Il est censé garantir la qualité architecturale, coor...