الأربعاء، 4 فبراير 2015

وفاة الرسم: العمارة في عصر المحاكاة

 إذا كنت تظن أن الأمر لا يتعدى مجرد استبدال قلم الرصاص بلوحة مفاتيح، فدعني أخبرك أنك مخطئ تمامًا. كتاب "وفاة الرسم" ليس مجرد نعي لفن قديم، بل هو صرخة تحذيرية – وإن كانت هادئة – لما يحدث في عالم العمارة من ثورة قد تكون "أكثر دموية" مما نتخيل. المؤلف ديفيد روس شير يقودنا في جولة داخل هذا العالم الجديد حيث لم يعد المهندس المعماري هو البطل، بل أصبح رقمًا إضافيًا ضمن بيانات وبرمجيات.

لعقود طويلة، كان الرسم هو العمود الفقري للتصميم المعماري؛ إطارٌ للتفكير، وأداةٌ للتواصل، ووسيلةٌ لإضفاء روح المرء على الحجر. لكن اليوم، ومع ظهور ما يُعرف بنمذجة معلومات البناء (BIM) والتصميم الحسابي، اختفى ذلك البعد الإنساني شيئًا فشيئًا. بدلاً من رسم الأفكار بصريًا، صرنا نحاكي التجربة بشكل مباشر: الأداء الوظيفي للمبنى بات هو الملك، وليس تصميمه الجمالي أو حتى رؤية المهندس له.

شير لا يكتفي فقط بالتشخيص، بل يغوص عميقًا في الآثار الجانبية لهذا التحول. هل تعلم أن هناك الآن ضبابية كاملة بين التصميم والبناء؟ وأن المهندسين المعماريين فقدوا جزءًا كبيرًا من سلطتهم على مشاريعهم بسبب هذه البيانات الرقمية المشتركة التي تسير كالشبح بين الجميع؟ وحتى الجسم البشري، الذي كان دائمًا الأساس المشترك لكل عمل معماري، تم القضاء عليه تقريبًا كمرجع أساسي. نعم، لقد حلّت الخوارزميات محل الإنسان، والأجهزة تستبدل البشر، بينما تغيّرت طبيعة العمل المعماري إلى حسابات آلية وتعاون رقمي بارد.

لكن هل كل هذا سيء؟ ربما لا. الكتاب يحاول أن يقدم وجهة نظر متوازنة. "وفاة الرسم" ليست دعوة للحنين إلى الماضي، بل هي دعوة لتقييم الواقع الجديد بعقلانية. يدعو شير المهندسين المعماريين إلى النظر بواقعية إلى أدواتهم الجديدة، واستكشاف الفرص المتاحة أمامهم رغم التحديات. لأن اللعبة تغيّرت بالفعل، وما زال هناك مجال لمن يستطيع اللعب بذكاء.

وفي النهاية، إذا كنت تعتقد أن الرسم مات حقًا، فربما عليك أن تسأل نفسك: هل الموت يعني نهاية، أم بداية جديدة؟

الأحد، 13 مايو 2012

الجزائر بين المشاركة والمقاطعة: انتخابات مايو واستراتيجيات النظام

في خطابه يوم 30 أبريل، جدد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة دعوته للمواطنين للمشاركة بقوة في انتخابات 10 مايو، معتبراً إياها محطة حاسمة لمصير الجزائر. لكن هذه الدعوة تأتي في سياق يكشف حاجة النظام الماسة إلى إظهار مشهد سياسي يُعزّز شرعيته، خاصة في ظل التحديات التي فرضها "الربيع العربي" وانهيار الأنظمة الاستبدادية في المنطقة.

الرهان على المشاركة

النظام يراهن بشكل كبير على نسبة المشاركة الفعلية كوسيلة لإظهار أنه لا يزال يتمتع بثقة الشعب، حتى لو كانت نتائج الانتخابات محسومة مسبقاً لصالح مرشحي السلطة. ومع ذلك، فإن الحرص المفرط على دفع المواطنين نحو صناديق الاقتراع يعكس قلقاً عميقاً من مقاطعة قد تفضح زيف المشهد الانتخابي، خاصة مع انتشار الكاميرات والهواتف الذكية التي يمكن أن توثق الواقع بعيداً عن الرواية الرسمية.

الترهيب كسلاح

لجأ النظام إلى أساليب الترهيب لدفع الناس نحو المشاركة، مستخدماً ذكريات "العشرية السوداء" وتهديدات بتدخل الناتو في حال المطالبة بتغيير جذري. لكن هذه التهديدات باتت تثير السخرية أكثر مما تُخيف، إذ يبدو أن الجزائريين فقدوا الثقة تماماً بالنظام وأصبحوا أكثر جرأة في التعبير عن رفضهم.

خوف النظام من المحاسبة

الحرص المفرط على إنجاح الانتخابات يعود أيضاً إلى خوف أركان النظام، وخاصة جهاز المخابرات، من مصير مشابه لمصير رموز الأنظمة المنهارة في المنطقة. هؤلاء يدركون أن أي تغيير جذري سيضعهم أمام العدالة لمحاسبتهم على عقود من الفساد والقمع.

سيناريوهات ما بعد الانتخابات

السؤال الكبير الذي يطرح نفسه هو: هل النظام مستعد لاستخدام العنف ضد أي مطالب بالتغيير، مما قد يؤدي إلى تدخل دولي؟ أم أنه مستعد للجوء إلى تقسيم البلد وبيع الوطن مقابل البقاء في السلطة؟

مهما كانت السيناريوهات، فإن الشعب الجزائري اليوم ليس كما كان في الماضي. لقد أصبح أكثر وعياً وتحدياً، وأمامه فرصة تاريخية لرسم مستقبله بنفسه. آفاق ما بعد 10 مايو قد تكون مليئة بالأخطار، لكن الأمل يبقى قائماً في أن يجنب الله الجزائر الانقسام والفوضى، ويحمي شعبها من مخططات المنتفعين الذين يرون في السلطة مصدر ثروة وليس وسيلة لخدمة الوطن.

الأربعاء، 4 يناير 2012

كيف حوَّل العرب الديمقراطية إلى مهرجان زواج متعة

في عالم عربي تربى على التفرد والسلطة، وجدت الديمقراطية الغربية نفسها غريبة عن البيئة، كعروس دخلت بيتًا لا يشبهها، فاختُطفت قيمتها، وانتُهكت أهدافها تحت عيون المراقبين من الدول الكبرى ومنظمات حقوق الإنسان. لم يكن العرب ضد الديمقراطية لأنهم يكرهون الحرية، بل لأنهم تعاملوا معها كفكرة مستوردة، وكأنها مجرد كلمة تُردَّد في المناسبات أو شرارة تُشعل عند الحاجة، ثم تُطفأ بعد انتهاء المسرحية الانتخابية.

ماذا يعني أن تكون لدينا "ديمقراطية"؟

ما الذي حدث بالفعل؟ حاول العرب التعامل مع فكرة الديمقراطية بأطر ثقافية وسياسية مختلفة، فلم يسعوا لزواج شرعي حقيقي يحترم قيم هذه الفكرة، بل اختاروا ما يشبه "زواج المتعة": استخدموها وقت الحاجة، ثم طلقوها بمجرد أن تحققت المصالح. البعض رضي بـ"زواج المسيار"، حيث تتنازل المعارضة عن دورها الحقيقي مقابل وجود شكلي ومخصصات مالية رمزية. والبعض الآخر اختار "الزواج بالضرة"، حيث يبقى الحاكم فوق كل اعتبار، ويحكم عبر قوانين الطوارئ، بينما يُطلب من الشعب القبول بالواقع باسم "الاستقرار الوطني".

أنواع الديمقراطيات في العالم العربي

ولأن العرب أمة الخصوصيات، فقد طوَّروا نسخاً محلية من الديمقراطية، تختلف جذرياً عمّا يعرفه العالم:

  • الديمقراطية الموسمية: تظهر فقط في مواسم الانتخابات.
  • الديمقراطية الرمزية: حيث يُرفع شعار الديمقراطية دون تفعيل آلياتها.
  • الديمقراطية الثابتة والوراثية: الحكم لا يتغير، سواء كان بالدم أو بالقوة.
  • الديمقراطية الدينية: تحويل الشعارات الدينية إلى أدوات انتخابية.
  • الديمقراطية المشاكسة: معارضة بلا فعل، واحتجاج بلا حلول.

كل هذه الأنواع ليست إلا إنتاجاً محلياً خالصاً، يعكس الواقع السياسي العربي، ويُظهر مدى بُعد بعض التجارب عن الروح الحقيقية للديمقراطية.

ماذا عن الدور الغربي؟

لكن الغرب، الذي يدَّعي أنه نصير للحرية، سكت على هذا التشويه. بدلاً من دعم الشعوب ومساعدتها على بناء دول حقيقية، راهن على الأنظمة التي تخدم مصالحه، وغض الطرف عن التزوير والفساد، طالما كانت أبواب النفط والمصالح مفتوحة. المنظمات الدولية التي تصرخ لو قُطع شعرة من رأس طفل في الغرب، تصمت بصمت الموت حينما تُقتل الشعوب العربية وتُنتهك حقوقها.

الخلاصة: هل يمكننا إعادة تعريف الديمقراطية؟

الديمقراطية إذن، في كثير من الساحات العربية، أصبحت مجرد لعبة سياسية، تُستخدم لشرعنة الاستبداد، وتمويه الفساد، وإيهام العالم بأن هناك تطوراً ديمقراطياً، بينما الواقع يقول غير ذلك. إذا كنا نريد ديمقراطية حقيقية، فهي لن تأتي من الخارج، ولن تُفرض بقوانين أو تدخلات أجنبية، بل يجب أن تكون نتاجاً طبيعياً لوعي شعبي حقيقي، ورغبة حقيقية في التغيير، بعيداً عن المصالح الضيقة والاستنساخ الأعمى.

الأحد، 30 يناير 2011

انتفاضات الشعوب العربية في مواجهة الاستبداد

 جدارٌ آخر ينهار على شواطئ البحر الأبيض المتوسط. ليس جداراً مرئياً، بل هو ذلك الحاجز غير المرئي الذي ظل لعقود من الزمن الركيزة الأساسية لنظم حكم ضعيفة الشرعية. هذا الجدار هو جدار الخوف.

خوف الشعوب من تعسّفٍ منهجي في كل مستويات السلطة، ابتداءً من أجهزة الشرطة والقضاء التي تحولت إلى أدوات قمعية لا ترحم، وتُحطّم كل من يجرؤ على المطالبة بحقوقه. ثم خوفها من عنف الدولة المُفرط، الذي يبقى رهناً لإرادة دائرة محدودة لكنها قوية ومؤمنة بإفلاتها من العقاب. وخوفٌ آخر يبدو تناقضياً، يتمثل في فراغ سلطة مفاجئ وشامل، وانعدام وجود بدائل سياسية حقيقية، ما يجعل الأنظمة الحالية أسوأ الخيارات مقارنة بأي خيارات أخرى.

هذا الحاجز انهار أولاً في تونس، تحت ضغط شعب ظل مُهاناً لسنوات طويلة، ثم استعاد فجأة إرادته ورفض أن يظل أسيراً لمصير مفروض عليه. وفي 28 يناير، تشقّق الجدار ذاته في شوارع القاهرة والإسكندرية ومحافظة السويس، ليثبت بشكل قاطع أن الشعب المصري لم يكن ولن يكون أسيراً للسلبية التي حاولوا دائماً نسبتها إليه.

كفى أربعة أيام فقط من الاحتجاجات، نُظّمت بسرعة وبشكل عفوي من قبل مجموعة صغيرة من المعارضين تحفيزاً منهم بالتجربة التونسية، لكسر حالة الاستقرار الزائف التي كانت تسيطر على عملاق العالم العربي، مصر، التي تحولت عبر سنين حكم مبارك الطويلة إلى واحدة من "الدول المريضة" في الشرق الأوسط.

وبما أن مصر كانت دوماً، قبل أن تُصيبها هذه حالة الخمول، مصدر الصوت العربي الحقيقي، فإن الزلزال الذي يهز ضفاف النيل اليوم يتجاوز بكثير حدود الثورة التونسية. حتى بات من الممكن القول، دون مبالغة كبيرة، إن الخوف قد انتقل إلى المعسكر الآخر.

لم يعد الخوف يهدّد الشعوب، بل أصبح يؤرق الأنظمة التي طالما غرّبت شعوبها وأهانتها، بينما كانت تختبئ وراء شعارات توجّهها نحو أعداء خارجيين مُصطنَعين، لتغطّي على هوسها بالتمسك بالسلطة بأي ثمن. الآن، هي تلك الأنظمة، سواء شرقاً أو غرباً من القاهرة، التي يجب أن تقلق بشأن بقائها، وعن المعادلة المستحيلة التي تحاول تقديم الإصلاح بعد عقود من القمع الممنهج، والذي كان يُبرر دائماً بذريعة أن أي تغيير بسيط قد يؤدي إلى الفوضى.

بلدان عربيان قدّما بالفعل دليلاً قاطعاً على زيف استراتيجية الخوف هذه، إذ لم تفلح هذه الاستراتيجية في منع ثورتين. وعلى الرغم من أن الديمقراطيات الغربية ما تزال تتذكر بمرارة كيف تحول حليفها إيران إلى عدو في عام 1979، إلا عليها أن تعترف اليوم بأن دعمها لهذه الأنظمة القمعية لم يعد مجدياً، لأنها في النهاية لم تستطع الوقوف في وجه كتابة التاريخ.

وفي ساعات قليلة فقط، في 28 يناير، أجاب المصريون بالنفي على تساؤل حول استثنائية التجربة التونسية. ومن الآن فصاعداً، من المحتمل جداً أنهم لن يكونوا وحدهم.

السبت، 15 يناير 2011

الانتفاضات الشعبية في شمال إفريقيا: تحديات التغيير ودور الغرب

شهدت منطقة شمال إفريقيا والعالم العربي تحولاً مهماً بعد الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت في تونس، وهو ما قد يمهد لموجة تغيير في دول أخرى مثل الجزائر، المغرب، مصر، وليبيا. تلك الاحتجاجات كانت نتيجة تزايد مشاعر الغضب الشعبي بسبب الظلم الاجتماعي والسياسي، والفساد المستشري في معظم الأنظمة الحاكمة في المنطقة. حيث أدت سياسات الاستبداد، ونهب الثروات، واحتقار حقوق الإنسان من قبل الحكام إلى حالة من التذمر الجماهيري، جعلت التظاهرات تبدو حتمية للعديد من الشعوب.

مع اندلاع الاحتجاجات في تونس، تبرز صورة قاتمة عن الدعم الغربي المستمر لهذه الأنظمة الاستبدادية، رغم انتهاكاتها الواسعة لحقوق الإنسان. فالحكومة التونسية السابقة، على سبيل المثال، كانت تعتبر من "الأبناء المدللين" للغرب بسبب تبنيها سياسة قمعية تجاه الإسلاميين. هذا الدعم الغربي، الذي غالباً ما يكون موجهًا إلى الاستقرار السياسي بغض النظر عن القيم الديمقراطية، أظهر تناقضاً صارخاً مع ما يدعيه الغرب من مبادئ ديمقراطية، وأدى إلى تقوية الأنظمة الفاسدة على حساب تطور الديمقراطية في المنطقة.

الانتقائية الغربية في التعامل مع الأزمات في العالم العربي هي أحد الأسباب الرئيسية التي تبرز في هذا السياق. بينما نجد الغرب يدعم الحركات الشعبية والثورات في مناطق مثل أوروبا الشرقية أو أمريكا اللاتينية، فإنه يتجاهل أو يتواطأ أحياناً مع الأنظمة الاستبدادية في المنطقة العربية. هذا التوجه جعل الغرب شريكًا غير مباشر في القمع السياسي، وهو ما ألقى بظلاله على محاولات الشعوب العربية في السعي نحو التغيير والتحرر.

من ناحية أخرى، لعبت وسائل الإعلام الحديثة دوراً مهماً في تيسير التغيير في تونس. فقد ساعدت منصات التواصل الاجتماعي والإنترنت الناشطين في تنظيم الاحتجاجات ونقل الصورة الحقيقية للأحداث إلى العالم، متجاوزة الرقابة الحكومية، ومؤثرة في الرأي العام العالمي. هذه الوسائل الحديثة أصبحت أداة رئيسية للتنسيق بين الفئات المعارضة والتعبير عن الغضب الشعبي، مما ساهم في جعل الاحتجاجات أكثر تنظيماً وفعالية.

وفيما يتعلق بالمؤسسة العسكرية، فقد ظهر موقف مفصلي في تونس عندما رفض الجنرال رشيد عمار إطلاق النار على المتظاهرين، وهو ما أسهم في انهيار النظام بسرعة. هذا الموقف يعكس تغييرًا في استجابة المؤسسة العسكرية التي أدركت أن الدفاع عن الأنظمة الفاسدة قد يعرضها لملاحقة قانونية دولية، مما جعلها تتراجع أمام ضغط الشعب.

الاحتجاجات في تونس أظهرت أيضاً أن الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي أصبحت أمام خيارين: إما الانفتاح الحقيقي والإصلاح السياسي أو مواجهة المزيد من الاضطرابات الشعبية. وإذا لم تتحقق الإصلاحات، فإن الاحتجاجات قد تنتقل إلى دول أخرى في المنطقة، مما يعني أن مرحلة جديدة من التغيير السياسي قد بدأت بالفعل.

في هذا السياق، أصبح من الواضح أن دعم الغرب لهذه الأنظمة أصبح غير قابل للاستمرار. مع استمرار هذه الأنظمة في التمسك بالسلطة عبر القمع، أصبح الغرب جزءًا من المشكلة بدلاً من أن يكون حلاً، مما يعوق التقدم نحو الديمقراطية والعدالة في العالم العربي.

x

الجمعة، 14 يناير 2011

في ذكرى ثورة الياسمين ... شكرا للشعب التونسي

فاجأت انتفاضة الكرامة التونسية الكثيرين، بمن في ذلك 'العرافين' و المنجمين في  مراكز الأبحاث والدراسات في الغرب، وفضائيات الشرق، واثبت الشعب التونسي،  في عطائه، وتضحياته، وطموحاته، انه القامة الشامخة في محاربة الطغاة، والانتصار للعدالة ومكافحة الظلم. إيذانا ببدء عصر قض مضاجع الديكتاتوريات العربية، قبل أن يقذفها في مزبلة التاريخ.

الدرس التونسي درس عميق، لصيق بالوضع العربي عموما. فقد كانت تونس تعتبر مثال وطن آمن. ولكن صفعة في وجه شاب أحالت هذا الوطن المسالم إلى وطن ثائر لم يمنعه رصاص الحكومة من الهروب من المواجهة، و لذلك سـيبقى محمــد البوعزيزي عنوانا للكرامة والثورة على الظلم.

للتذكير فقط: انطلقت شرارة الاحتجاجات يوم 18 ديسمبر من عام 2010 من مدينة سيدي بوزيد، بعد إقدام شاب أكاديمي ـ يعمل بائع متجول ـ على الانتحار بإحراق نفسه احتجاجا على تعرضه للصفع والبصق على الوجه من قبل شرطية تشاجر معها، بعدما منعته من بيع الخضراوات والفواكه دون ترخيص من البلدية، ولرفض سلطات الولاية قبول تقديمه شكوى ضد الشرطية. وفي يوم الجمعة الموافق لـ 14 جانفي من عام 2011 هرب الرئيس التونسي من تونس.

لتنطوي بذلك صفحة من تاريخ طاغية حكم تونس بقبضة حديدية هو وعصابته منذ عام 1987 حتى بداية عام 2011.. النتيجة أن الشعب التونسي الرائع، الشعب الحر، الشجاع، لم يخسر إلا الفقر والجوع والذل والمرض والهوان والتخلف.
شكرا للشعب التونسي مرتين لا مرة واحدة.
شكرا للشعب التونسي مرة أولى، لأنه اثبت أن الشارع العربي ليس ميتا مثلما توقع الكثيرون، وانه قادر على الانتفاض وتقديم التضحيات من اجل التغيير.وشكرا للشعب التونسي مرة ثانية لأنه فضح الأنظمة الغربية التي تشدقت دائما بدعمها للحريات وحقوق الإنسان وقيم العدالة والديمقراطية.
حتى أخر لحظة كان ساركوزي يقول : "في تونس شهدت مساحة الحريات تقدّما ملحوظاً، وأنه على ثقة برغبة بن علي في مواصلة توسيع مساحة الحريات ". أما أمريكا التي غيرت أنظمة بالغزو والاحتلال وقتل مئات الآلاف من الأبرياء مثلما حصل في العراق وأفغانستان و ليبيا.  فرأيناها تتودد وتقول "للشعب التونسي كامل الحق والحرية في اختيار زعمائه " ؟ منذ متى تحترم أمريكا إرادة الشعوب

أمريكا و الغرب عموما، لا يهمها لا التونسيين ولا الديمقراطية، و إنما مصالحها الخاصة و إلا فأين كانت عندما كان الشعب يتجرع علقم الحكام، و حواشيهم، بل كانوا أصدقاءهم و حلفاءهم. و مثلهم يقول "مات الملك..عاش الملك."بل إن هيلاري كلينتون التقت وزراء الخارجية العرب في 'منتدى المستقبل' الذي انعقد في الدوحة في نفس السنة جلست مثل الأستاذة توبخ تلاميذها، وتلقي عليهم محاضرات في الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد وتطالبهم بالاستماع إلى أصوات شعوبهم في هذا المضمار.

جاءت ثورة الشعب التونسي البطل، لتؤكد إن الشعوب العربية والإسلامية حية لم تمت كما تصور الكثيرون (و أنا واحد منهم). وإنها إذا ما انتفضت لا يمكن الوقوف بوجهها، إذ لا أحد على الإطلاق كان يتوقع أن شعباً تم تكبيله بأنواع القيود، و أخبثها، وطبقت عليه كل أنواع النظريات الإجرامية الحديثة، بتكميم وتخدير الشعوب وبكل الوسائل، أن ينزل إلى الشوارع ويواجه قوات الأمن بصدور عارية ليطرد الدكتاتور. و تأكيدا على أنه عندما يكون الإنسان في وضع الفقر والبؤس فانه يتحول إلى إنسان يائس. يتساوي عنده الموت والحياة .

الشعوب التي تحقق مكتسبات هي أكثر الشعوب حرصا علي استقرارها، أما الشعوب التي لا تملك أي مكتسبات هي التي تثور عند أي شرارة ثوره.



الأحد، 2 يناير 2011

ماذا حقق العرب في 2010؟

ماذا حقق العرب في 2010؟
في مواجهة هكذا سؤال واضح و صريح لابد أن يتبادر إلى الذهن فورا نماذج من الإنجازات المطلوبة. و لكن ومع الأسف الشديد لم يراود ذهني أي شي من ذلك. فلجأت لمحركات البحث في الانترنت للبحث عن هذه الإنجازات فوجدت أن كتاب غينيس للأرقام القياسية لا يتسع لها. و لكن للأسف لا يوجد مكان غيره لكتابتها.

 حقق العرب في العام المنصرم 2010 العديد من الانجازات بداية من أكبر صحن تبولة مرورا بأكبر حبة قطايف، أكبر منسف في العالم وأطول شيش كباب، وغير ذلك من الكماليات التي لا تليق إلا بالأمم القوية التي أنجزت ما عليها من المسائل الحيوية والضرورية.
أما العاجزون فيلجأون إلى اختراع بطولات وهمية لا تجد لها مأوى إلا في مجلد غينيس، كل هذا بفضل النفاق الإعلامي الذي يضلل الناس صباح مساء، فجعل من فوز قطر بتنظيم "المونديال" فتحا لا يضاهيه إلا فتح صلاح الدين الأيوبي لبيت المقدس أو فتح طارق بن زياد للأندلس (مع الاعتذار لكل من طارق بن زياد و صلاح الدين الأيوبي للتشبيه).
هذالإعلام الفاسد الذي تهيمن عليه الحكومات و تمنع إصلاحه و تحريره، بالإضافة إلى احتكارها للمناهج التعليمية في المدارس والجامعات و انعدام العدالة في توزيع الثروات و عدم الضرب على أيدي السماسرة والمحتكرين وكبت الحريات، مكنها (أي الحكومات) من تطوير التخلف بوسائل جديدة ومبتكرة, فاستعانت بالتكنولوجيات المتطورة من أجل نشر الجهل والتخلف. إلى أن تمكنت كل مجموعة طائفية أو مذهبية من امتلاك فضائياتها وصحفها ومواقع الإنترنيت الخاصة بها للترويج لعقائدها وتشويه ومحاربة عقائد المذاهب والطوائف الأخرى.

البحث عن انجازات للعرب في العام المنصرم عملية قيصرية ميئوس منها وان نجحت فالمولود متوفى والوالدة في حالة يرثى لها، ربما كان من الأفضل أن نضع كلمة ( إخفاقات ) بدلا من انجازات لتكون خياراتنا أسهل. ربما لأنه غير مطلوب من العرب تحقيق أي إنجازات، عليهم فقط أن يبقوا مثل ما هم عليه دون أن يسوء الحال أكثر.

إنجازات (إخفاقات) العرب في العقد الأول من الألفية الثالثة جلَّ أن تحصى, لن أعددها كلها مخافة أن يصابوا بالعين. فبداية بإنفاق الملاين على علاجِ مرضٍ غير موجود و التسابق في جمع اكبر كميه لقاحات مضادة له (أنفلونزا الخنازير)، مرورا بالتراجع في معدلات الشفافية والحكم الراشد و حرية الرأي. و بعد التزوير الفاضح لإرادة الشعب في الانتخابات المصرية الأخيرة، و تحويل اليمن لدولة فاشلة، و انقلاب الحكومة الكويتية على الديمقراطية و تهميش المعارضة و محاربتها(بل و ضربها) ، إلى الانقسام الوشيك للسودان، و تهميش القضية الفلسطينية، وصولا إلى أكبر صفحة للأسلحة من أجل قمع الشعوب.

و هذه الأخيرة تستحق فعلا أن تكون في كتاب غينيس.

QUALITE ARCHITECTURALE (2): QUAND LA MAITRISE D’OUVRAGE PUBLIQUE SABOTE L’ARCHITECTURE

Dans les écoles d’architecture, on apprend que l’architecte occupe une place centrale. Il est censé garantir la qualité architecturale, coor...